أبي منصور الماتريدي

497

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعلى تأويل الحسن : يكون قوله : ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ في الدنيا ، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضا ؛ بكذبهم فيها في قولهم : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وقولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] وأمثاله من الكذب ؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته ، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم ، ظنّا منهم أن ذلك ينفعهم ، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا ، أو إلى حال الأمن ؛ ليعملوا غير الذي عملوا ؛ كقولهم : أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ الأعراف : 53 ] فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك ؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم ؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون ، ويعترفون بذنوبهم ؛ كقوله : فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [ الملك : 11 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَأَلْقَوُا السَّلَمَ قال بعضهم « 1 » : يسلمون ويستسلمون لأمر الله ، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء ، كقولهم : ما كنا نعمل من سوء . وقال بعضهم : فَأَلْقَوُا السَّلَمَ : هو الاستخزاء ، والخضوع والتضرع . ويشبه أن يكون قوله : فَأَلْقَوُا السَّلَمَ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك ، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض . وقوله - عزّ وجل - : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ في الآخرة ، والله أعلم بذلك ، فأكذبهم الله في قولهم : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ؛ فقال : بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة ، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا ؛ ولم يظهر . وقوله - عزّ وجل - : فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها وقوله : فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي : بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله ، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله ، وما أنزل الله عليهم . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 30 إلى 32 ] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 ) وقوله - عزّ وجل - : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً . قال أهل التأويل « 2 » : هذا قول المؤمنين ؛ مقابل قول المشركين : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 7 / 579 ) ، والبغوي ( 3 / 67 ) . ( 2 ) قاله قتادة أخرجه عبد بن حميد وابن جرير ( 21576 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 218 ) .